ملا محمد مهدي النراقي
381
جامع الأفكار وناقد الأنظار
بما لا يطاق ؟ ! . وقد تفطّن بما ذكرناه بعض أهل التحقيق حيث قال : يمكن أن يقال بناء على مذهب الأشعرية على أنّ افعال غير اللّه - تعالى - واقعة باختياره - تعالى - ولا تأثير لغيره فيها ، والفرق بين فعل المختار وفعل المضطرّ كالنار : انّ اللّه يخلق مع الأوّل قدرة غير مؤثّرة فيه ، وبذلك يتصحّح كونه اختياريا ، وفي الثاني لا يخلق قدرة مقارنة أصلا ؛ وبناء مذهب المعتزلة على أنّ افعال غيره - تعالى - من المختارين واقعة باختيارهم بأن جعلهم اللّه - تعالى - مختارين ، أو خلق فيهم قدرة مؤثرة في أفعالهم عند تعلق ارادتهم بها ، فقول الأشعرية : انّ القدرة مع الفعل ، أي : معيّة بالذات كمعلولي علة واحدة ؛ وقول المعتزلة : انّها قبله ، أي : قبلية بالذات كتقدّم العلّة على المعلول ؛ انتهى . ومثله ما ذكره بعض الأعلام : بأنّ الحقّ انّ النزاع في تقدّم القدرة على الفعل ومقارنتها له متفرّع على النزاع في أنّه هل للعباد قدرة مستقلّة أو غير مستقلّة ، أم لا ؛ فمن قال بعدم الفرق بين حركتي المختار والمرتعش - كجهم بن صفوان وأضرابه - يقول : ليس للعبد استطاعة أصلا ؛ ومن قال بالقدرة الكاسبة الغير المؤثّرة في الايجاد - كالاشعرية والبحارية « 1 » - يقول بها غير متقدّمة ؛ ومن قال باستقلال العباد في أفاعيلهم الاختيارية باقدار اللّه وتفويضه - كأكثر المعتزلة - يقول بتقدّمها ؛ وأمّا من قال بعدم التفويض والاستقلال - كما هو طريقة المقتبسين من مشكاة أهل البيت عليهم السّلام - فيظنّ أنّه لا يمكنه القول بالتقدّم الزماني ، وإلّا يلزم التفويض والاستقلال في تلك الحال . لكن لمّا كان الظاهر أنّ مرادهم بعدم استقلال قدرة العبد انّ مع تلك القدرة الّتي أعطاها اللّه ايّاه ومكّنه أن يفعل بها باختياره يمكن أن يصرّفه اللّه - تعالى - عن اختيار الفعل ويقلّب قلبه ولا يأذن له - كما قد يفعل باحبّائه عند همّهم المعصية ، أو باعدائه عند ضدّ ذلك - وأنّه لا يصدر عنه فعل إلّا بتوفيق اللّه - تعالى - أو خذلانه ؛ ولا ينافي ذلك كونه بحيث لو خلّى بحاله واختياره أمكن صدور الفعل عنه في حال بعد ذلك الحال فيمكن التقدّم ولا يلزم التفويض والاستقلال ؛ انتهى .
--> ( 1 ) - كذا في النسختين ، ولم أجد ذكرا لهذه الفرقة في المآخذ .